محمد الحميدي

33

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

لأنه كان في هذا الوقت شابّا ، وبالحضرة جماعة أكابر من أعمامه وأعمام أبيه ، وذوي القعدد في النسب من أهل بيته ، فلم يعترض معترض ، واستمرّ له الأمر . وكان شهما صارما . وكلّ من ذكرنا من الأمراء أجداده إلى عبد الرّحمن بن محمد هذا ، فليس منهم أحد تسمّى بإمرة المؤمنين ، وإنّما كان يسلّم عليهم ، ويخطب لهم بالإمارة فقط ، وجرى على ذلك عبد الرّحمن بن محمد إلى آخر السّنة السابعة عشرة من ولايته ، فلمّا بلغه ضعف الخلافة بالعراق في أيام المقتدر ، وظهور الشّيعة بالقيروان ، تسمّى عبد الرّحمن بأمير المؤمنين ، وتلقّب بالناصر لدين اللّه ، وكان يكنى أبا المطرّف . وأمّه أمّ ولد ، اسمها مزنة . ولم يزل منذ ولي يستنزل المتغلّبين حتى استكمل إنزال جميعهم في خمس وعشرين سنة من ولايته ، وصار جميع أقطار الأندلس في طاعته . ثم اتّصلت ولايته إلى أن مات في صدر رمضان سنة خمسين وثلاث مائة ، ولم يبلغ أحد من بني أمية في الولاية مدّته فيها . ولاية الحكم المستنصر « 1 » ثم ولي بعده ابنه الحكم بن عبد الرّحمن ، ويلقّب بالمستنصر باللّه ، وله إذ ولي سبع وأربعون سنة ، يكنى أبا العاص ، أمّه أمّ ولد ، اسمها مرجان . وكان حسن السّيرة ، جامعا للعلوم ، محبّا لها ، مكرما لأهلها ، وجمع من الكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله هنالك ، وذلك بإرساله عنها إلى الأقطار ، واشترائه لها بأغلى الأثمان ، ونفق ذلك عليه فحمل إليه .

--> ( 1 ) ابن الفرضي : تاريخ 1 / 11 ، الضبي : بغية الملتمس 18 ، المراكشي : المعجب 59 ، ابن الأبار : الحلة السيراء 1 / 200 ، الذهبي : تاريخ الإسلام 8 / 240 ، وسير أعلام النبلاء 8 / 269 ، المقري : نفح الطيب 1 / 382 .